الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
72
نفحات الولاية
الأشياء ولسادها الاضطراب والفوضى . وهناك اليوم تعبيران مختلفان بشأن هذه الدوافع الذاتية في الإنسان أو سائر الموجودات ، فأحياناً يطلق عليها اسم الفطرة وأنّ معرفة اللَّه مودعة في الفطرة الإنسانية . . وأحياناً أخرى يعبر عنها بالغريزة . فمثلًا يقولون أنّ للإنسان غريزة جنسية ، أو يقولون بأن لحركات الحيوانات عموماً صبغة غريزية . وهذا في الواقع اصطلاح استعمله العلماء بهذا الشأن . أحدهما بشأن الدوافع التي تتسم بالبعد الفكري ( الفطرة ) والآخر بخصوص تلك التي ليس لها بعداً فكرياً أو لها بعد عاطفي ( الغريزة ) . إلّاأنّ كليهما يعنى الخلقة على أساس المعنى اللغوي . ثم قال عليه السلام : « والزمها « 1 » أشباحها » . وقد تضاربت أقوال المفسرين - لنهج البلاغة - بشأن هذه العبارة ، فذهب البعض ومنهم ابن أبي الحديد الذي قال إن الضمير المنصوب في « ألزمها » عائد إلى الغرائز ؛ أي ألزم الغرائز أشباحها ، أي أشخاصها لأنّ كلا مطبوع على غريزة لازمة ، وبالنتيجة فان العبارة تأكيد على ثبوت غرائز الموجودات . بينما ذهب البعض الآخر إلى أنّ المراد بالعبارة وجود التشخصات الخاصة لكل موجود ، أي أنّ اللَّه سبحانه قد وهب كل موجود بعض الخصائص والمميزات ، وبعد أن كان لها بعداً كلياً في علم اللَّه فقد تبلورت في الخارج على هيئة جزئيات وأشخاص وعلى ضوء هذا التفسير فان الضمير في ألزمها يعود إلى ( الإشياء ) كما ذكر البعض كلا التفسيرين على نحو الاحتمال . ولكن لما كان التفسير الأول لا يتضمن انسجام الضمير وما ذهب إليه ، إضافة إلى كون العبارة تتخذ طابع التأكيد لا بيان موضوع جديد ، فانّ الذي يبدو أنّ التفسير الثاني أصح وأصوب من التفسير الأول . وتوضيح ذلك أن اللَّه تبارك وتعالى قد وهب كل موجود نوعين من الخصائص . الخصائص التي أودعت باطن ذاتها والتي عبر عنها الإمام عليه السلام بالغرائز ، والخصائص في الجوانب الظاهرية من قبيل الزمان والمكان وسائر الجزئيات والتي عبر عنها الإمام عليه السلام بقوله « ألزمها أشباحها » وعلى هذا
--> ( 1 ) « أشباح » جمع « شبح » طبق ما أورده أغلب أرباب اللغة بمعنى الشخص في الأصل ، كما وردت بمعنى ظهور الشيء واتضاحه ، ومن هنا يطلق الشبح اليوم على الموجود الذي يتراءى ظله ثم يظهر فجأة .